السيد محمد تقي المدرسي
48
ليلة القدر معراج الصالحين
قصّة ذلك البطل " الحر الرياحي " ومواقفه في كربلاء بين أمسه ويومه ، أفليس هو الذي حال بين الحسين عليه السلام وبين العودة إلى الحجاز ، فأبى إلّا أن يسلّمه لعبيد الله أو يسلك سبيلًا لا يؤدّي إلى الكوفة أو الحجاز ، لقد كان ذلك في أمس كربلاء ، حيث لم يصح ضميره بعد رغم أنّه قد عرف الحسين عليه السلام ، وعرف ابن من هون ومن التي ولدته ؟ لقد كانت الغشاوة ما تزال تغطّي قلبه ، حتّى بدأت الجذوة تتّقد شيئاً فشيئاً في ضميره حين عرف نوايا القوم ، واتّضحت له أهدافهم ، فقال قولته المشهورة : " إني لأخيّر نفسي بين الجنّة والنار " ، فما أعظم وأحلى وأطيب الإنسان حين يستيقظ منه الضمير والوجدان الخالصان النقيّان ، وحين يعود إلى ربّه ، وقد جسّد الحرّ الرياحيّ ذلك بقوله : " والله لا أختار على الجنّة شيئاً " . فهزّ اللجام وراح صوب مولاه ، ووقف بين يديه قائلًا : " عذراً أبا عبد الله ! فأنا الذي فعلت بك كذا وكذا . . . " إلى آخر ذلك الموقف المشرّف ؛ موقف التوبة النصوح . فالمسافة بين المعسكرين كانت قصية في الحساب المادّي ، ولكن هل تعلمون أنّ هذه المسافة في حقيقتها وبقياس المعنويات والقيم الروحيّة هي أكثر وأوسع من ذلك بكثير ، ولعل أدقّ تعبير يصف هذه المسافة أن تقول إنها الطريق بين الجنّة والنار . فكلّ واحد منّا يشعر أن كاهله قد ثقل من الأوزار أن يضع نصب عينيه موقف الحرّ وأمثاله ، فلا ييأس من رحمة الله ، لأنّ الأمر كلّه بيد الله : لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ( الروم / 4 ) ، فليس هناك أمر يصعب عليه سبحانه فهو يفعل ما يريد .